يكتسب غزو الروبوتات والأتمتة الشاملة لجميع مظاهر الحياة زخما متسارعا يوما بعد يوم وبوتيرة تقتل أي حديث عن محاولة التأثير فيه أو حرفه عن مساره.

ويذهب تقرير موسع نشره بنك أوف أميركا مؤخرا إلى أن الروبوتات سوف تشطب 45 بالمئة من الوظائف وبالتالي تشطب 9 تريليونات دولار من تكاليف العمالة خلال 10 سنوات.

قد تبدو مظاهر ذلك الغزو أكثر وضوحا في قطاعات الصناعة والخدمات، إلا أن الكثير من الخبراء يقولون إن نطاق انتشاره في الزراعة بدأ يتفجر وقد يصبح الأكثر انتشارا وشمولا في السنوات المقبلة بعد أن وصل استخدام المعدات الثقيلة والأسمدة والمبيدات إلى طريق مسدود.

التحري الدقيق يكشف وجود آلاف التجارب المذهلة التي تعد باستثمار ساحر للموارد الزراعية حين تنتشر الروبوتات الخفيفة الصغيرة التي توفر عناية مطلقة بالتربة وتعرف جميع مساماتها وموقع كل بذرة ونبتة بدقة متناهية.

وهي تعد بزراعة كثيفة تتكامل فيها علاقة النباتات والأشجار ببعضها البعض لتضمن حصاد عشرات المحاصيل في الموسم الواحد وفي اللحظة المثالية للقطاف دون تقديم أو تأخير.

ثورة زراعية شاملة

ويقول باحثون في جامعة فلوريدا الأميركية إن الزراعة، التي تعد واحدا من أقدم الأنشطة البشرية، بدأت تخضع لإعادة هيكلة شاملة في عهد الانقلابات التكنولوجية المتسارعة.

ويؤكدون أن الروبوتات وتكنولوجيا المعلومات سوف تغزو الحقول خلال السنوات المقبلة، وأن المزارعين سوف يتحولون إلى مبرمجين وخبراء تحليل بيانات ومطورين للروبوتات.

وأصبح هذا التحول أكثر إلحاحا في ظل تزايد الحاجة لإنتاج المزيد من الغذاء وتراكم العراقيل التي تواجه المزارعين مثل ارتفاع تكلفة العمالة وتراجع مساحات الأراضي الزراعية ونقص مياه الري.

ويقول الباحثان في جامعة فلوريدا سنتهولد أسانج وزميله فرانك أشي لموقع تيك اكسبلور إن استخدام المعدات الثقيلة أدى إلى انضغاط التربة وعرقلة نمو جذور النبات وضعف خصوبة الأرض، وفي نهاية المطاف نقص الإنتاجية الزراعية.

وأشارا إلى أن استخدام روبوتات خفيفة الوزن ذاتية الحركة وطائرات مسيرة بدل المكائن الثقيلة يمكن أن يساعد في علاج مشكلة انضغاط التربة وجعل إنتاج الغذاء أكثر استدامة.

كما أن الروبوتات والطائرات المسيرة يمكن أن تعمل على مدار الساعة وتجمع قدرا هائلا من البيانات، وتنفذ عددا كبيرا من المهام، الأمر الذي يفتح آفاق زيادة الإنتاج وتحسين نوعيته مع الحد في استخدام المبيدات والأسمدة.

ويؤكد أسانج أن ذلك سيخدم المجتمع والبيئة ويعزز الاستدامة، فضلا عن فتح الأبواب أمام نوعية جديدة من فرص العمل في مجال “تطوير وصيانة  الروبوتات والطائرات المسيرة وابتكار البرمجيات المختلفة.

في الحدث الافتتاحي لمعرض تكنولوجيا زراعة المستقبل، الذي انعقد مؤخرا في المركز الوطني البريطاني للمعارض في مدينة برمنغهام، كانت الرسالة الأساسية المعلنة هو أن الزراعة بشكلها الحالي غير قابلة للاستمرار.

وتنطلق الانقلابات التكنولوجية لزراعة المستقبل من أن الممارسات الحالية، التي لم تتغير كثيرا منذ ستينات القرن الماضي وصلت إلى طريق مسدود. وأصبحت صورتها قاتمة ولا تلائم أنماط الاستهلاك الحديثة، التي تبحث عن صداقة البيئة.

حلول سحرية

ويشير رواد الحلول التكنولوجية المستقبلية، التي تعد بحلول سحرية، إلى أن الزراعة الحالية تعتمد بشكل كبير على المواد الكيميائية والآلات العملاقة، التي أصبحت عاجزة عن ضخ الحياة في التربة التي كانت غنية ذات يوم.

من هنا تنطلق الشركات الناشئة بوعود تقديم تكنولوجيا جديدة تساعد على إحداث انقلاب شامل في استثمار الموارد الزراعية وتحويل مسار القطاع من الهبوط المتسارع إلى القفز إلى آفاق خارقة.

في بريطانيا تعمل شركة سمول روبوت Small Robot أي الروبوت الصغير، على تطوير نظام متكامل للزراعة المؤتمتة التي تجمع الذكاء الاصطناعي والروبوتات من أجل زراعة أكثر دقة وإنتاجية وتقلل من التلوث والنفايات.

سمول روبوت تعد بخفض المواد الكيميائية والانبعاثات بنسبة 95 بالمئة وزيادة الإيرادات بنسبة 40 بالمئة وخفض التكاليف بنسبة 60 بالمئة

وتأمل مجموعة العلماء والمهندسين والمزارعين المشاركين في المشروع في تغيير وجه الزراعة بشكل كلي وتحقيق فوائد أبعد بكثير مما يمكن حصره في الوهلة الأولى.

ويقولون إن استبدال المعدات الضخمة مثل الجرارات، بروبوتات خفيفة الوزن يعني أن التربة لن تكون مضغوطة بدرجة تقلص الإنتاجية، وإن الروبوتات سوف تتمكن من زرع النباتات مباشرة في التربة، دون الحاجة إلى عمليات الحرث المتكررة ودون تدخل كبير في تغيير معالم الأرض.

كما أن دقة البيانات التكنولوجية سوف تحقق فوائد بيئية هائلة، حيث تسمح أيضا بتخطيط موقع كل بذرة بدقة بالغة ومراقبة وتيرة نمو كل منها بشكل فردي.

ويرى سام واتسون جونز، المزارع في مقاطعة شروبشاير البريطانية والشريك المؤسس لشركة سمول روبوت، أن المشروع “سوف يغير بالكامل خارطة ما يمكن فعله في المزرعة وكيف نفكر في الزراعة حاليا.

ويضيف أن “نظام الزراعة سوف يصبح مختلفا تماما حين نتمكن ليس فقط من فهم كل تفاصيل الحقل وحالة كل نبتة على حدة، وبالتالي أيضا اتخاذ إجراءات دقيقة على ذلك المستوى للتعامل مع كل نبتة”.

ذروة مطلقة للإنتاج

روبوتات تعرف أوضاع التربة ومكان كل بذرة ونبتة وبيانات نمو كل منها بدقة متناهية وتحصد المحاصيل في اللحظة المناسبة

ويؤكد واتسون جونز بثقة كبيرة أن القطاع الزراعي سوف يكون قادرا على إنتاج كميات وفيرة من الطعام بأقل آثار بيئية سلبية ممكنة.

وتستخدم شركة سمول روبوت حاليا ثلاثة روبوتات أطلقت عليها أسماء توم وديك وهاري، التي تتولى عملية أتمتة الزراعة ومراقبة النمو والإنتاج في كافة المراحل.

في تلك المنظومة المتكاملة يتولى الروبوت توم مراقبة المحاصيل والتربة، في حين يقدم ديك تغذية دقيقة للنباتات ويقوم بإزالة الأعشاب الضارة. ويتولى الروبوت هاري عمليات غرس المحاصيل بدقة متناهية من حيث توزيع المواقع واختيار أفضل الشروط الملائمة لنمو كل بذرة.

أما المرجع الإداري للروبوتات الثلاثة فهي منظومة ذكاء اصطناعي ويلما (Wilma) التي تشرف على عمليات الزراعة بأكملها وتساعد في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة المحاصيل والرعاية الفردية لكل نبتة في الحقل.

وتقول شركة سمول روبوت إن ذلك النظام سوف يتمكن من خفض المواد الكيميائية والانبعاثات بنسبة تصل إلى 95 في المئة، وزيادة الإيرادات بنسبة تصل إلى 40 في المئة وخفض التكاليف بنسبة تصل إلى 60 في المئة.

ويستشرف واتسون جونز المستقبل بالقول “في النهاية، سوف نكون قادرين على استخدام تقنيات الزراعة الدائمة والمستدامة على نطاق واسع باستخدام تكتيكات البستنة مثل تكامل نباتات والمحاصيل مع بعضها لتحقيق أفضل استثمار للمياه والتربة وبقية الموارد الطبيعية.

ويوضح أن ذلك سوف يسمح بزراعة أوسع تشكيلة ممكنة من المحاصيل في المساحات المتاحة وزراعة محاصيل مختلفة جنبا إلى جنب في نفس الحقل، ويتم حصدها في أوقات مختلفة.

وتم تطوير النظام الأساسي لمشروع سمول روبوت بالتعاون مع “مجموعة المزارعين الاستشارية Farmer Advisory Group التي تتكون من 20 مزارعا من أنحاء المملكة المتحدة.

ويجري حاليا استخدام نموذج أولي من روبوت توم في تجارب ميدانية في عدد كبير من المزارع في أنحاء المملكة المتحدة تمهيدا لنشر المشروع بشكل فعلي في تلك المزارع.

وتقول شركة سمول روبوت إن ذلك النموذج الأولي يوضح  للمزارعين جميع التقنيات الأساسية  اللازمة لنشر عائلة الروبوت الأوسع، بما في ذلك برامج التحكم الذاتي وتحديد الموقع الجغرافي وتجنب العوائق والقدرة على وضع الأشياء في مواقعها بدقة تصل إلى سنتمترين فقط.

ومن المقرر أن تقدم الشركة خدمات التحول إلى هذا النظام الفائق الدقة للمزارعين في أنحاء بريطانيا من خلال نموذج خدمة يدفع المزارعون بموجبه رسوم اشتراك لكل هكتار.

ويبرر واتسون جونز ضرورة نشر هذه الثورة التكنولوجية بالقول إن إنتاج المحاصيل ظل ثابتا لأكثر من ربع قرن، رغم أن دولة مثل بريطانيا تستخدم أكثر من مليون طن من مبيدات الأعشاب ومبيدات الفطريات كل عام.

ويضيف أن الثورة الزراعية الثالثة، التي لا تزال مهيمنة اليوم، يمكن تعريفها بأنها الاستخدام الكثيف للمواد الكيميائية والأسمدة والجرارات الكبيرة الثقيلة، وهي لم تعد تجدي نفعا للمزارعين ونحن بحاجة إلى شيء جديد ينقلنا إلى المستقبل.

ويؤكد أن الثورة الزراعية الرابعة، على النقيض من ذلك، حيث تتميز باستخدام أسراب من الآلات الصغيرة الذكية، ومستويات ضئيلة جدا من حرث التربة أو لا حرث على الإطلاق.

ويشير إلى أن النموذج الزراعي السائد حاليا يقوم على الجرارات الضخمة والرشاشات والحاصدات المنتشرة في المزارع، والتي تؤدي إلى ضغط التربة وقتل تغذيتها الطبيعية وهو ما يجبر المزارعين على الدوران في حلقة مفرغة من التغذية المتواصلة بالكيمياويات والأسمدة.

انتشار عالمي متسارع

وفي فرنسا توفر شركة نايو (Naïo) مقاربة مماثلة لتوسيع نطاق الروبوتات، التي تدير الحقول الزراعية بدقة متناهية من مراحل البذار إلى إزالة الأعشاب الضارة إلى الحصاد في الدقيقة أو الثانية الملائمة.

ويقول جوليان لافونت مدير التسويق الاستراتيجي في الشركة الناشئة إن الاستراتيجيات تستخدمها الشركة لتطوير الزراعة وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد ولتحقيق أعلى إنتاج ممكن.

وتؤدي عمليات الحصاد والقطاف التقليدية إلى تبديد الكثير من المحاصيل بسبب جنيها قبل أوانها أو بعد نضوجها، حيث تحتاج بعض المحاصيل مثل كروم النبيذ إلى دقة كبيرة في مواعيد القطاف.

ويؤكد لافونت أن قيام البشر بالأعمال المضنية مثل زراعة الخضروات وإزالة الأعشاب والحصاد، سوف تصبح شيئا من الماضي، إضافة إلى أن الروبوتات سوف تتولى الأعمال الخطرة على البشر مثل تسلق الأشجار لقطف الثمار.

ويؤكد موقع الشركة أنها وجدت ترحيبا كبيرا من قبل المزارعين بهذه التكنولوجيا بسبب النقص الكبير في القوى العاملة في القطاع الزراعي، حيث يكافح المزارعون للعثور على العمال في فترات موسمية محددة مثل الحصاد وقطف ثمار الأشجار.

ولا تقف طموحات شركة نايو لجعل الزراعة أكثر إنتاجية ودقة، على فرنسا بل امتدت بالفعل إلى أنحاء أوروبا وكندا. ويقول لافونت إن هدفنا الرئيسي هو التوسع في ولاية كاليفورنيا الأميركية وكذلك في دول في أميركا الجنوبية وآسيا مثل تشيلي واليابان.

Source: Click Here